أكاديمي مغربي يدعو إلى ضرورة تغيير العقيدة الأمنية للدولة

قناة طنجة الكبرى | عبد اللطيف أكنوش

ما هو جوهر المرجعية الفلسفية والسياسية للدولة المغربية في المجال الأمني، الذي أنعته بمصطلح “العقيدة الأمنية للدولة”؟ وما الذي يجبرنا على تغيير هذه العقيدة في زمن تعقدت فيه كل القناعات بحكم تغير الحال والمآل؟

ولكن بداية، ماذا أقصد بمفهوم العقيدة، وماذا أقصد بالعقيدة الأمنية؟ وقبل هذا وذاك، ماذا أقصد بالأمن؟

مفهوم الأمن:

أقصد بالأمن مجموعة الوظائف والمهام الرامية إلى حماية الأشخاص والممتلكات والحريات والمجتمع والدولة. كما أن الأمن مجموعة من الموارد البشرية والوسائل والأدوات التي يتم تسخيرها من أجل أهداف مسطرة طبقا لقوانين الدولة، ننعتها عادة بالأجهزة. وهي أجهزة الدولة التي يوكل إليها السهر على حماية الأشخاص وممتلكاتهم ومؤسسات الدولة، واستقرار البلاد بصفة عامة…

وتدخل في هذا الإطار القوات المسلحة الملكية، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، وإدارة الجمارك، والمديرية العامة للأمن الوطني، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، ووزارة الداخلية بمصالحها اللاممركزة…

كما أن هناك أيضا قطاعات أخرى تعنى بمجال الأمن، ولها اختصاصات أكثر شمولية؛ بحيث تهدف إلى المحافظة على الأمن الصحي، والروحي، والاقتصادي، وهي أجهزة تشمل مجموع القطاعات الوزارية تقريبا، كوزارة الصحة، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة الاقتصاد والمالية، وزارة التربية الوطنية، وما شابه ذلك…

مفهوم العقيدة

في ما يخص العقيدة، من الصعب وضع مفهوم دقيق لهذا المصطلح نظرا لارتباطه غالبا بمفهوم “النظرية” في العلوم الإنسانية عموما، كالقانون، والاقتصاد، والعلوم العسكرية… أو لارتباطه بمجموعة من الدول أو التكتلات أو بدول بعينها، فنقول مثلا “العقيدة السياسية”، أو “العقيدة الأمنية” لدول كإسرائيل أو الاتحاد الأوروبي، بل وحتى بشخصيات سياسية، فنتحدث عن عقيدة “ترومان” أو “روزفيلت” أو “شارل دوكًول”، أو حتى “العقيدة العسكرية والسياسية” للإسكندر الأكبر!

مفهوم صعب التحديد إذاً، ولكنه ليس بالمستحيل في نظري…

فالعقيدة هي مجموعة من القواعد من شأنها التنصيص على مجموعة من التدابير. من هذا المنطلق، فإن “العقيدة” يمكن اعتبارها نظرية عامة يمكن تشكيلها انطلاقا من دراسة وتقييم ما هو كائن وموجود، ثم وضع تصورات مستقبلية تمكننا من وضع استراتيجيات وخطط عمل تهدف إلى تحقيق غايات محددة في الزمان والمكان.

انطلاقا مما سبق، يمكن اعتبار “العقيدة الأمنية” منظورا عاما يعتمد على التشخيص القبلي للمخاطر وتقييم مدى تأثيرها السلبي على زعزعة استقرار الأمن الاجتماعي وتهديد المجتمع في وجوده.

وعليه، فالأجهزة المخول لها إعداد وتنظيم وإعادة هيكلة “العقيدة الأمنية” للدولة يجب عليها الأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكذا العسكرية التي يمكن لها أن تؤثر سلبا أو إيجابا على المحيط أو البيئة المجتمعية بصفة عامة؛ وذلك في أفق وضع آليات للعمل ورسم التوجهات السياسية العامة في جميع مجالات الحياة الاجتماعية.

العقيدة الأمنية في “نظامنا السياسي القديم”!

منذ سنة 1957، بادر المغرب إلى إنشاء مؤسسات أوكلت لها مهمة تعريف ووضع عقيدة الدولة في مجال الأمن. والملاحظ هو أن تواجد هذه المؤسسات كان لأهداف معينة ولظروف محددة وخاصة وبدون أي رؤية شاملة على المدى البعيد؛ لذلك أعتقد أن تأسيس المجلس الأعلى للأمن والتنصيص عليه في دستور 2011 جاء لتغيير هذه الرؤية الموروثة من “نظامنا القديم”. ومن المؤكد كذلك أن هذا المجلس سيكون لا محالة آلية من شأنها السهر على بلورة عقيدة الدولة في المجال الأمني أخذا بعين الاعتبار التغيرات التي يعرفها المجتمع.

وللتذكير، فمباشرة بعد الاستقلال تم إحداث المجلس الأعلى للدفاع الوطني في 9 نونبر 1957 بظهير ملكي، وكان الهدف الأساسي من إنشائه “عرض كافة القضايا التي تؤثر على السياسة الدفاعية للبلاد على جلالة الملك والحكومة المغربية”.

كما أن المرسوم الملكي بتاريخ 5 شتنبر 1967 الخاص بتنظيم الدفاع عن المملكة ينص في فصله الثاني: “(…) تتخذ المقررات المتعلقة بالتسيير العام والتدبير العسكري للدفاع من لدن جلالتنا، ويمكن لجنابنا الشريف أن يجمع لهذه الغاية اللجنة العليا للدفاع الوطني”. غير أن هذه اللجنة ألغيت فيما بعد وعوضت “بالمجلس الأعلى للدفاع الوطني” بالظهير المؤرخ في ثاني يناير 1974.

وفي مارس 1979 أنشأ الملك مجلسا خاصا “(…) من أجل مساعدته في تحديد وتنفيذ السياسة فيما يتعلق بالحماية والدفاع عن وحدة صحراءنا.”

تجدر الإشارة إلى أن التأسيس الحقيقي للشأن الأمني، وبالتالي وضع “عقيدة أمنية” خاصة بالنظام السياسي المغربي، يعود في الحقيقة إلى الملك محمد الخامس الذي بادر بتاريخ 14 و16 ماي 1956 إلى تأسيس القوات المسلحة الملكية والإدارة العامة للأمن الوطني. في هذا الشأن، نلاحظ أننا بصدد الحديث عن “قوات مسلحة ملكية” وليس “قوات وطنية”، كما كان معمولا به ساعتها في بلدان العالم الثالث في إفريقيا، وآسيا وأمريكا اللاتينية!

أما بالنسبة للإدارة العامة للأمن الوطني، فنحن نعلم ما لكلمة “أمن وطني” من معنى في مغرب المرحوم الحسن الثاني! فما هو “وطني” لا يمكن أن يكون إلا “ملكيا”؛ وذلك لأن الملك اعتبر في السابق، ويعتبر اليوم كذلك، صاحب “السيادة الوطنية” بدون منازع! إذ إن المغرب لم يستقل عن فرنسا بفضل “استفتاء شعبي” كما حصل بالنسبة للجزائر مثلا سنة 1962، بل حصل على استقلاله بفضل اتفاقيات دولية بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية، اتفاقيات وقعها الملك بنفسه “نيابة” عن الأمة؛ وبذلك يصبح المالك الأوحد للسلطة الشرعية الوحيدة في البلاد!

هذا لنقول من دون أي لف أو دوران إن مجموع هذه الأجهزة الأمنية لم تؤسس لحماية الوطن في المقام الأول، بل تأسست للدفاع عن “المؤسسة الملكية” وحمايتها مهما كانت الظروف والأحوال باعتبارها مؤسسة جوهرية و”مقدسة”!

وقد عاينا فعلا في خلال تاريخ المغرب المعاصر كيف أن هذه المؤسسات دافعت عن الملكية في حربها غير المعلنة ضد أعدائها من الحركة الوطنية، إلى درجة يمكن معها القول إن أي حزب سياسي أو أي حركة اجتماعية احتجاجية، أو أي هيئة دينية أو سياسية، أو حتى أي بلد آخر لا يمكنه استبعاد الجيش والأمن من حساباته، كلما كانت له علاقات ودية أو عدائية مع المملكة المغربية!

وكمثال على هذا الطرح، نستحضر هنا “حرب الرمال” ضد الجزائر؛ حيث إن القوات المسلحة الملكية ذهبت لتحارب ما أطلق عليه ضباطنا وجنودنا آنذاك “شيوعيي الجزائر”؛ وذلك “انتقاما لشرف ملكنا الذي نال منه الجزائريون”!!

بالنسبة لي أعتقد أن هذه هي المبادئ الثلاثة، المتجسدة في محاربة الشغب والدفاع عن الملكية وحدود الوطن، التي شكلت “العقيدة الأمنية للمملكة المغربية”، والتي وجهت بالتالي العمل الأمني للدولة، على الأقل إلى غاية حكومة التناوب التي كان يرأسها السيد عبد الرحمان اليوسفي، والتي أتت مباشرة بعد تنفيذ حكم الإعدام في حق عميد الشرطة مصطفى ثابت سنة 1994!

فما كنا نسميه آنذاك “سنوات الرصاص” يفسر انطلاقا من هذه العقيدة الأمنية، والتي يمكن تلخيصها في مبادئ “حماية الملك، والنظام الملكي، والحدود الترابية للمملكة سواء منها المفروضة أو المختارة”، أما الباقي فليس له أية أولوية. فالحماس أو الشراسة الأمنية التي أبدتها الأجهزة آنذاك في الحرب على “معارضي النظام” تجسد بجلاء ومن دون أي شك جوهر هذه العقيدة الأمنية للدولة التي دامت إلى حدود سنة 1996، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

وبعد أن طوينا ملف “سنوات الرصاص”، وبعد أن أعلنت المملكة صراحة الدخول الجدي في إرساء المسلسل الديمقراطي منذ تقلد المعارضة الاشتراكية مقاليد حكومة التناوب، يمكنني أن أستبشر اليوم خيرا بعد أن تمت دسترة “مجلس أعلى للأمن” سنة 2011، والذي ستؤول إليه مهمة وضع “عقيدة أمنية” لمواجهة التحديات الأمنية التي تهم المملكة، وبالتالي تجاوز “عقيدة” نظامنا السياسي القديم”!

وعليه، لابد من التساؤل حول التحولات الأساسية التي عرفها المغرب، والتي تفرض علينا ضرورة وضع “عقيدة أمنية” جديدة وجديرة بمغرب يتخلص تدريجيا، ويوما بعد يوم، من عقده وتعقيداته القديمة التي ما فتئ يجرها منذ حصوله على الاستقلال سنة 1956.

وفي هذا الإطار، لا يسعني إلا أن أذكر ببعض من هذه التحولات العميقة التي تفرض علينا هذه المراجعة، والتي عرفها مجتمعنا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. تحولات فرضت وتفرض على الدولة أن تغير جذريا من رؤيتها للشأن الأمني وممارسته.

أنبه القارئ ابتداء إلى أنه في إطار الحديث عن هذه التحولات والتغيرات، سأترك جانبا التغيرات الجيوسياسية الكبرى التي عرفتها المنطقة المغاربية والإفريقية؛ وذلك بالنظر إلى أن هذه المسألة ستكون من دون أدنى شك المهام الأساسية الملقاة على عاتق المجلس الأعلى للأمن المنصوص عليه في دستور 2011 والذي لم ير النور بعد.

غير أن هذا لن يمنعني من الحديث، بين الفينة والأخرى، عن التأثير الذي خلفته أقوى النزاعات على الخارطة الإجرامية ومنها الأمنية في البلاد منذ تسعينات القرن الماضي. وعليه، سأكتفي بتحليل التغيرات الاجتماعية والتحولات السياسية التي عرفها المغرب، والتي تبرر من وجهة نظري ضرورة مراجعة العقيدة السياسية للدولة المغربية.

التحولات الاجتماعية:

صحيح أن المغرب يعرف تغيرات مجتمعية عدة، وهذه التغيرات لها تأثير بالغ على المسألة الأمنية وعلى ضرورة تغيير العقيدة الأمنية. فهي تغيرات تتجلى أولا على مستوى قوة الكثافة السكانية في المناطق الحضرية مقارنة مع تلك الموجودة في المناطق القروية. فالأرقام الرسمية المعلنة من خلال الإحصاء الوطني تشير إلى تغيير في البنية السكانية؛ بحيث نجد 40% من السكان لازالوا يستوطنون العالم القروي، مقابل 60 % في العالم الحضري.

هذا التغيير الكمي والنوعي أصبحت له تأثيرات نوعية ومباشرة على تصرفات الأفراد والجماعات، خصوصا على مستوى الخارطة الإجرامية، مما يحتم تغيير التعامل القانوني والجنائي في اتجاه هؤلاء المواطنين “الجدد”! كيف ذلك؟

نلاحظ أن هذه التحولات الاجتماعية أثرت ابتداء على مستوى حجم الأسرة، وكذلك على طرق اشتغالها وكيفية تعاملها مع محيطها داخل المجتمع. فالإحصاءات الرسمية تحيلنا مرة أخرى على رقم مهم في نظري، يتمثل في حجم الأسرة الذي لا يتعدى معدل عدد أفرادها 1,5 حسب دراسات علمية دقيقة جدا، نذكر منها على سبيل المثال دراسة “إيمانويل طود” و”يوسف كورباج”، هذه الدراسة أوضحت جليا التأثيرات الديموغرافية على التغيير الاجتماعي للمغرب. “فالعائلة” التي كانت تتكون من 6 إلى 7 أفراد حلت محلها “أسرة” يمكن أن نسميها “أسرة نووية”؛ بحيث إن معدل أطفالها لا يتجاوز 1,3!

هذا يعني، وببساطة، أن المجتمع المغربي تجاوز التنظيم “العشائري والانقسامي” التقليدي، ليمر إلى مرحلة إنتاج تنظيم أسري جديد من نوع “نووي”. وهذا ما يفسر بوضوح أن المغرب يمر تدريجيا من مجتمع مقعد على تلاحم ميكانيكي الذي يعتمد على رابطة الدم والقرابة، نحو مجتمع مقعد على “تلاحم قانوني تنظيمي” تحكمه القوانين الوضعية، طبقا للتصور الدوركهايمي لدراسة المجتمعات (إيميل دوركهاييم، القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين).

ولعل من نتائج هذا التحول ذلك التفكك التدريجي للروابط العائلية التقليدية، مما يعني تراجعا في العلاقات التضامنية التي تعتمد على فكر جماعي للعشائر والقبائل، وبروز فكر جديد آخر يكون فيه الفرد بمثابة المحور الرئيسي داخل المجتمع، وليس العائلة أو القبيلة أو العشيرة. “فرد” كامل التكوين يسعى ليكون “مواطنا مغربيا حرا ومحررا ومنعتقا” من روابط وعوائق الوسط العائلي والعشائري والقبلي التقليدي.

وتجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن هذا التحول لم يكن نتاج سياسة أسرية “لتحديد النسل” التي نهجتها الدولة في السبعينيات على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بل كان نتاج قرارات فردية أملتها التغيرات الاقتصادية، ناهيك عن تأثير تكنولوجيا التواصل والمعلوميات الجديدة.

إضافة إلى هذا المعطى الجديد، لا بد من التذكير كذلك بأن هناك حوالي 3 ملايين مغربي في دول المهجر يتنقلون باستمرار ما بين إقامتهم في الخارج وبلدهم الأصلي. ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن تطالب هذه المجموعة من المواطنين الدولة المغربية بتغيير ممارساتها الأمنية تجاهها لتضمن لها الحقوق والقوانين نفسها التي تتمتع بها في دول الإقامة في الخارج كفرنسا، وبلجيكا، وألمانيا أو أمريكا (أنظر خطاب العرش لـ 30 يوليو 2015 الذي يبرز هذا الواقع الجديد).

من هذا المنظور، يمكن القول إن هذه التحولات في اتجاه العصرنة والحداثة والتحديث هي التي تحتم على الدولة إرساء ثقافة أمنية، جنائية وتشريعية جديدة؛ أي وضع “عقيدة أمنية” ملائمة لتغير الحال والمآل.

من جهة أخرى، لابد من التأكيد على أن هذه الخارطة الاجتماعية الجديدة أحدثت تأثيرات مباشرة في تصرفات المواطن المغربي الذي نصفه بالمنحرف… فقد أصبحنا نلاحظ أنواعا أخرى جديدة من الجرائم، جرائم لم نكن نعرفها من قبل، كالجرائم الماسة بالذوق العام وبالممارسة المدنية المتحضرة في الشارع العام، كالشغب في الملاعب الرياضية أو أثناء التظاهرات الجماهيرية ذات الطابع الاحتفالي.

فالمواطن “المنحرف” اكتسب ثقافة إجرامية جديدة تحت تأثير التطور التكنولوجي؛ حيث أصبح “مجرما” حتى في العالم الافتراضي عبر الانترنت، وأصبح لا يتردد في الانضمام إلى الجماعات الإرهابية الدولية، ولا يتورع في الانتساب إلى مافيات ترويج المخدرات وتبييض الأموال، وتزوير الوثائق أو حتى قتل أصوله تحت تأثير المخدرات، ولا يستحيي من زنا المحارم، سواء كانت أمه أو أخته وما إلى ذلك… فالربح السريع المؤدي إلى الاغتناء، وانعدام قيم المواطنة والمدنية، أصبحا من العوامل الأساسية التي تؤثر على “الفرد” في اقترافه للإجرام والانحراف…

بالنظر إلى هذه المعطيات الجديدة، على السلطات الأمنية المغربية أن تتجاوب والواقع الإجرامي الجديد الذي نشأ في ظل التحولات الاجتماعية التي وصفناها أعلاه. بل أكثر من ذلك عليها أن تجعل من استتباب الأمن “مسؤولية مشتركة”. فبالرغم من أن تحقيق الأمن يعد من مهام سلطة الدولة، فهذا لا يعني رفض إشراك الفاعلين من المجتمع المدني كالمنظمات غير الحكومية التي هي شريكة بالضرورة في عملية الحد من الإجرام والجريمة.

ومع ذلك، يمكن القول بأن مهام السلطات الأمنية الحالية تسير نحو التغيير وتبحث دوما وباستمرار على الوسائل الأنجع لمواجهة التحديات التي يفرضها تغير المجتمع وتحولاته؛ إذ نلاحظ خلال السنوات القليلة الماضية أن مهام الأجهزة الأمنية لم تعد تنحصر في المهام الأمنية بالمعنى الضيق، بل بدأنا نلاحظ أنها تتحول بالتدريج نحو مهام جديدة لتصبح وسيلة حقيقية لتطبيق سياسات الدولة في ما يخص الأمن العام (تعدد الجرائم، الإضرابات، احتقانات، حماية بالمواقع الإستراتيجية، إلخ…)، وفي ميادين أخرى كالمجال الإنساني، والرعاية الاجتماعية، والعدل، والصحة في ما يتعلق بالأمراض النفسية، والبيئة، والاقتصاد، والكوارث الطبيعية، والبناء العشوائي، والنقل، والسياحة وتكنولوجيا المعلومات، وما شابه ذلك…

إلى جانب هذه التحولات الاجتماعية التي تفرض على الدولة مراجعة جذرية لعقيدتها الأمنية، هناك التحول الحاصل في المشهد السياسي، والذي جاء استجابة للظرفية ولإرادة ملكية منذ سنة 1999.

التغيرات السياسية:

المؤشر الأول على هذه التحولات هو ما عرفه ملف مسألة حقوق الإنسان منذ انهيار “جدار برلين” ونهاية الحرب الباردة. فهذه المسألة أصبحت منذ سنة 1993 في صلب النقاشات العمومية؛ وذلك في إطار مرحلة اتسمت بمطالب الكتلة (أحزاب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) وبروز موجة ثقافة حقوق الإنسان؛ حيث افتتحت هذه المرحلة بالعفو الذي حظي به السجناء السياسيون السابقون والمنفيون، وبتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ومنه إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2010. بالإضافة إلى التعديلات الدستورية لسنوات 1992، 1996 و2011. فالنقاش العام في هذا الإطار، انصب وينصب على المجال الدستوري عبر الدفع بتفعيل دستور 2011، وبكل ما يتعلق بحقوق الإنسان والانتخابات ومحاربة ظاهرة الاعتقالات التعسفية، وما إلى ذلك…

أما المؤشر الثاني، فهو المتجسد في ما سمي “المفهوم الجديد للسلطة” الذي نادى به الملك محمد السادس في أكتوبر 1999 بالدار البيضاء أمام مجموعة من رجال السلطة ومنتخبين، والذي يندرج أساسا حول مجموعة من الأفكار منها: نهاية حقبة اتسمت بالإفلات من العقاب والتساهل في تطبيق القانون على الجميع، وتقريب الإدارة من المواطن، وتسخير الموظفين في خدمة المواطن، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، وما إلى ذلك… وقد كان لهذا المفهوم تأثير إيجابي كبير على عقلية وردود فعل من كانت ولا تزال على عاتقهم مسؤولية الإدارة الترابية.

المرحلة الثالثة طغت عليها مبادرة الملك محمد السادس سنة 2004 الرامية إلى مصالحة المغاربة مع الدولة بغية طي صفحة ما سمى “سنوات الرصاص”. فإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة كان هدفه إنجاح عملية مصالحة المواطن المغربي مع الأجهزة الأمنية، علما أن هذه الأخيرة لعبت ما بين سنتي 1963 و1984 دورا محوريا في كل ما يتعلق بالقمع والتعذيب ضد ما عرف “بمعارضي نظام الحسن الثاني”.

ولعل جلسات الاستماع العمومي التي نظمتها “هيئة الإنصاف والمصالحة” والتي بثتها القنوات التلفزيونية في المغرب كان لها وقع ايجابي على مجموع المجتمع المغربي في أفق المصالحة مع الماضي؛ بحيث تم الإعلان عن أسماء الجلادين، وذكر جميع حالات الاختطاف والاحتجاز، زيادة على انتقاد حالات غياب القانون التي كان سائدة خلال هذه الفترة…

انفتاح المغرب على الإعلام هذا، ساعد على فتح مرحلة جديدة في مسألة حقوق الإنسان واحترام الكرامة الإنسانية. وقد كان لهذا العمل الذي أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة التأثير البالغ على المؤسسات الأمنية في المملكة التي شرعت في تلقين مواد احترام حقوق الإنسان لموظفيها أثناء فترات تدريبهم، ودفعتها إلى مراجعة تصرفاتها تجاه المواطن بصفة عامة وفي جميع المجالات.

أما المؤشر الرابع والأخير فهو المتعلق بصدور دستور 2011 الذي تدل مقتضياته بما لا يدع أي شك في إرادة الدولة من أجل العمل على المزيد من الإصلاحات، خصوصا في ما يتعلق بمسألة حقوق الإنسان والقطع مع ثقافة عدم المحاسبة والإفلات من العقاب وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتنصيص على أن الأمن حق من الحقوق الأساسية للدولة.

بل وقد ذهبت الوثيقة الدستورية الجديدة إلى حد التنصيص على تأسيس “المجلس الأعلى للأمن”، الذي تعود له في المقام الأول والأخير مهمة وضع عقيدة أمنية جديدة للدولة المغربية، ومهمة رسم الإستراتيجية الأمنية الملائمة للمملكة، في تناسق تام مع الاتفاقيات الدولية المعمول بها في المجال الأمني والعسكري.

وباختصار شديد، لا يسعني إلا القول بأنه لمواجهة الاضطرابات الجديدة النابعة من عالم جديد، يجب وضع واعتماد عقيدة سياسية وأمنية جديدة ملائمة…. ومن غير هذا الكلام، مجرد إنشاء وأناشيد لا تسمن ولا تغني من جوع!

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.